سميح دغيم
565
موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي
القول بأنّه تعالى خلق الخلق لعلّة ، فيفارق ما تقوله الجبرية لأنّه إنّما أراد أنّه تعالى فعل هذه الأفعال لوجه الحكمة وهو ما يتّصل بالإحسان والإنعام ، وعند حصول هذا الوجه لا يحتاج إلى تعليله بعلّة سوى ذلك . فلهذا لا يقال في المحسن : " لما ذا أحسنت ؟ " لأنّ كون فعله إحسانا كاف فيما لأجله يفعل . فكأنّ هذا الممتنع أراد أن يكون مع ثبات هذا الوجه لا معنى لإطلاق لفظ يوهم الإيجاب ، كما أنّ الأحكام المعلّقة على علل موجبة لا يجوز بعد حصول موجب واحد أن تتطلّب غيره من الموجبات . فهذه جملة صحيحة غير معترضة على ما قلناه ( ق ، ت 2 ، 180 ، 7 ) خلق الخلق لينفعه - في بيان وجه حسن ابتداء اللّه تعالى لخلق الخلق وإنشاء الأيّام وما يتّصل بذلك : اعلم أنّ ذلك إنّما يحسن منه تعالى على وجوه ثلاثة : أحدها لينفعه ، والآخر لينفع به ، والثالث لأنّه أراده لخلق ما ذكرناه ، مع تعرّي الكلّ من وجوه القبح . وقد دخل فيما ذكرناه ما يخلقه تعالى لينفعه ولينفع به جميعا ؛ لأنّ الشيء إذا حسن لكل واحد من الوجهين فبأن يحسن متى حصلا فيه أولى . ولم يذكر في ذلك خلق من يخلقه ليفعل به المستحقّ ، لأنّ ذلك لا يحسن أولا ، وإنّما يحسن أن يخلقه لهذه البغية ثانيا . فإذا حسن أن يخلق تعالى الخلق لينفعه تفضّلا ، ويعرّضه للثواب والمدح ، وينفعه بالتعويض على الآلام حسن منه أن يخلق غير المكلّف للتفضّل والتعويض جميعا . وقد بيّنا أنّ المنافع على ضربين : مستحقّ وغير مستحقّ ، وأنّ المستحقّ منه قد يكون مستحقّا على وجه التعظيم والإكرام فيكون ثوابا ، وقد يكون مستحقّا على وجه العوض والبدل ، وبيّنا لكل واحد منهما مثالا في الشاهد ، وبيّنا أنّ ما ليس بمستحقّ يكون إحسانا وتفضّلا ، وبيّنا أنّ ما أدّى إلى المنافع يكون في حكمه ، وإن كان شاقّا على فاعله ، وإنّما يحسن متى أدّى إلى نفع يوفي عليه ، ومتى لم يشقّ على فاعله البتّة فإنّه يحسن إذا أدّى إلى أيّ منفعة كان متى عري من وجوه القبح . فإذا صحّت هذه الجملة حسن من القديم تعالى أن يخلق الخلق لينفعه على بعض الوجوه التي قدّمناها أو كلّها ( ق ، غ 11 ، 101 ، 12 ) - على أنّه لا يخلو هذا المخالف من أن يقول : إنّه تعالى خلق الخلق لينفعهم ، أو يقال : إنّه خلقهم ليضرّهم ، أو لا لينفعهم ولا ليضرّهم ، وكذلك القول في الجماد . فإن قال : خلقهم ليضرّهم ، أو لا لنفع ولا ضرر ، فذلك ظلم وعبث ، فلا بدّ من القول بأنّه خلقهم لينفعهم ، وخلق الجماد لينفع به ، وهذا يوجب كون سائر أفعاله حسنا ، فلا وجه لمن قال : إنّه ليس بحسن ولا قبيح إذا اعترف بما ذكرناه ؛ لأنّه يحصل مخالفا في عبارة . فهو بمنزلة من قال في الأفعال كلّها : إنّها لا حسنة ولا قبيحة . وإذا وجب في أفعاله تعالى من حيث فعلها لنفع الحيّ أن يستحقّ بها المدح فيجب كونها حسنة ومختصّة بصفة زائدة على ذلك ، فكيف يقال مع ذلك بأنّها لا حسنة ولا قبيحة . وإذا ثبت في كثير من أفعاله أنّها واجبة ؛ كالثواب وغيره ، فكيف يقال : إنّه تعالى يفعل على جهة الاتّفاق ، وحاله في سائر ما يفعله لا يختلف من حيث يفعل الجميع مع العلم بحاله ( ق ، غ 11 ، 64 ، 13 )